المطران طربيه يترأس الذبيحة الألهية من أجل السلام في لبنان

ترأس سيادة المطران انطوان شربل طربيه الذبيحة الألهية بحضور حشد من ممثلي الأحزاب والمؤسسات والجمعيات وأبناء الجالية في كاتدرائية سيدة لبنان في هاريس بارك باراماتا، سيدني، للصلاة من أجل السلام في لبنان والعودة الى لغة الحوار وتحكيم الضمير، وللصلاة لراحة أنفس مالك وهيثم طوق والياس الحصروني وفادي البجاني والنقيب الطيار في سلاح الجو اللبناني جوزيف حنا والملازم الأول في الجيش اللبناني ريشار صعب.

وفيما يلي عظة صاحب السّيادة المطران أنطوان-شربل طربيه

راعي أبرشية اوستراليا، نيو زيلند واوقيانيا

بمناسبة عيدُ الأب وجنّازُ الشهداء مالك وهيثم طوق ، الياس الحصروني وفادي البجّاني

“تحتفل أستراليا اليوم بعيدِ الأب، وهي مناسبةٌ سنويةٌ نتأمل فيها بمعاني الأبوّةِ المسؤولة ودورِها في المجتمعِ والعائلة. وهنا أحب ان اتوجه بالمعايدة القلبية لكل الاباء.

وتُوقفنا صفحاتُ الإنجيل عند الحوارِ الذي دارَ بين الرب يسوع وتلاميذِهِ عندما طلبوا منه أن يعلّمَهم كيف يصلّون. وكم كانت دهشةُ التلاميذِ عظيمةً عندما قال لهم الربُّ يسوع، “أمّا أنتم فصلّوا هكذا: أبانا الذي في السماوات…”. لقد جاء الربُّ يسوع ليخبرَنا بأن الله هو “بَـيْ”، وهو كمالُ الأبوّةِ وعنوانُ  الصلاة الدائم ونبعُ الرحمةِ والحبِ والحنان.

وفي مفهومنا المسيحي لا فصلَ بين رسالةِ الأبوّة ورسالةِ الأمومة، لأنه ومن خلالهما تستمرُّ عطيةُ الحياة التي نمجّدُ اللهَ عليها كلَّ يوم.  ودعوةُ الأب الأساسيّة أن يؤمنَ بالله ويسيرَ بهدي كلمته  ليستطيع مواجة الأخطار  وصعوبات الحياة حتّى النَفَسِ الأخير، ويَشرب الكؤوسِ المُرَّة من اجل الذين يحبهم، لان معاني الابوة تتجلى  بالحبِ المضحي والمعطاء. فبه وحدَه – أي الحب – يصبحُ للحياةِ معنى، وبه وحدَه يمكنُنا الانتصارُ على الألمِ والشرّ، وبه وحدَه يصبحُ ملكوتُ الله قريباً. وفي عالمٍ يلفُّهُ الشر ويتحكّمُ به الظلمُ وتضربُه رياحُ العنفِ والكراهيةِ والغدر، تَبرزُ  رسالةُ الإنسانِ المسيحي ودعوتُه أن يختارَ الحبَّ على البغض، والسلامَ على الحرب، والحقيقةَ على الكذب، والعدالةَ على الظلم، فنعرفُ معنى الشهادةِ لملكوتِ الله على أرضنا.

ويأتي كلامُ الرب يسوع عن الحب ليُحدِثَ تغييراً جذرياً في مفاهيم الحب الإنساني ومعانيه عندما قال: “ما من حبٍّ أعظمَ من أن يبذلَ الإنسانُ نفسَه عن أحبّائِهِ”…ولم يكتفِ الرب يسوع بالقول بل كان المثالَ والقدوةَ في تجسيدِ كمالِ الحب عندما قدّم ذاتَه طوعاَ ذبيحةَ خلاص على الصليب من أجل فداءِ البشر.

لقد اجتمعنا اليوم للصلاةِ من أجلِ راحةِ نفوسِ الشهداءِ الأبرار: مالك وهيثم طوق، الياس الحصروني وفادي بجّاني، الذين سقطوا دفاعًا عن الأرض والهويَّة، عن الحق والحرِّيَّة. إنَّهم أبطالُ الموقفِ والارادة وقد بذلوا دماءَهم بلا تردُّد من أجل قضيَّةٍ آمنوا بها ويريدوننا أن نبقى أوفياءَ لها، مهما اشتدَّت المحن وقَسَتْ الظروف وعصفت رياحُ الموتِ والشر. ولكن لا بدَّ لنا من التساؤل: هل لبنان بخطر؟ هل هويَّتُنا بخطر؟ هل الحق بخطر ؟ وهل الحريةُ بخطر؟

تُثبتُ الأحداثُ المتعاقبة بأنَّ ثمَّةَ أخطاراً  كثيرةً تتربَّصُ بلبنانَ وبشعبه. والخطرُ الأكبر يكمنُ في غيابِ السلامِ في القلوب والأمانِ في النفوس، وتسلّطِ سرطانِ الفساد على الجسم اللبناني، وانتشارِ ظاهرةِ السلاح غيرِ الشرعي في القرى وبين البيوت والمرافقِ العامة. وبنتيجة ذلك أصبحت لغةُ القتلِ والإجرامِ شائعةً تطالُ أحباءَ لنا، ولا يمكن السكوتُ عن ذلك بعد اليوم.

مالك وهيثم طوق سقطا دفاعًا عن هويَّة “القرنة السوداء” الواضحة منذ مئات السنين، وما دماؤهما التي سالتْ على ترابِ الجبال إلّا دليلًا ساطعًا على أن لا تنازلَ عن هويَّةِ الأرض مهما كان الثمنُ غاليًا وإن كان هذا الثمنُ هو الاستشهاد. المساسُ بهويَّة الأرض هو مساسٌ بهويَّةِ شعبٍ قدّمَ الكثيرَ من الشهداء دفاعاً عن الوطنِ والإنسانِ والقيم. وكلُّ مساسٍ بالهويَّة هو تعدٍّ سافر على الحقيقةِ والتاريخ والحاضرِ والمستقبل. دماءُ مالك وهيثم طوق قالت “لا، لن نسمحَ بتغيير الهويَّة لأنَّ الهويَّةَ تعني الوجود، والوجودُ يعني الكرامةَ، والكرامةُ مرتبطةٌ بالرسالة، والرسالةُ هي من الله”. ونضم صوتَنا الى صوتِ غبطة أبينا البطريرك الراعي لنطالبَ باستكمالِ التحقيق بما جرى ولتقولَ العدالةُ كلمتَها، كما نؤكدُ على ضرورةِ تزويدِ القضاءِ المختص بكل المعلوماتِ التاريخيّة حول ملكيةِ الأرض، من أجل إعطاءِ كلِ صاحبِ حقٍ حقَّهُ.

أمّا الشهيد الياس الحصروني فقد قتلته يدُ الغدرِ والإجرام، يدُ الشرِ والانتقام ، لأنه لبنانيٌّ صميم ومعروفٌ بحبَّه للبنان ولأبناءِ القرى الجنوبيَّة حيث عمل جاهدًا على دعم العائلات وتثبيتِ الشباب ومساعدةِ الأهالي. الياس الحصروني هو مثالُ كلِّ من يريدُ أن يعيشَ في أرضه بكرامة ويعبِّرَ عن رأيه بحرِّيَّة ويمارسَ عملَه السياسيَّ والاجتماعيَّ بلا خوف. ويأتي اغتيالُهُ تهديداً للبنان التعدُّدِي، ورفضاً لقبول الآخر كما هو. فلبنان لم ولن يكونَ يومًا وطنَ الخوفِ والأحاديَّة والانظمة الشموليّة،  ولا أحدَ يقبلُ بأن تتحولَ أرضُ “قدموس، أرضُ العلمِ والحرف، إلى بؤرةِ فسادٍ وإرهابٍ وقتل. فموتُ الياس يدعو جميعَ اللبنانيين لليقظة الوطنيّة ولكي يحافظوا على هويةِ لبنانَ ورسالتِهِ والعودة الى دوره التاريخي.

أمّا الشهيد فادي البجّاني فهو شهيدُ غيابِ الأمنِ وثقافةِ المواطنة واستبدالِهما بالأمن الذاتي واستباحِت المحرمات. سقط فادي أمام بيتِهِ وعلى حائطِ كنيستِهِ لأنَّه لم يقبلْ بالتعدّي على كرامتِهِ وكرامةِ عائلتِهِ وبلدتِهِ الكحّالة العزيزة ، التي طالما دافع أبناؤها بكل بأسٍ وشجاعةٍ عن السيادة، انطلاقاً من قناعتِهم بالعيشِ الحر  مهما غلت التضحيات. سقط فادي لأنَّه شعر بخطرٍ وجوديٍّ يهدِّده في عقر دارِه فلم يستطعْ القبولَ بالذلِّ والهوان ولم يَخَفِ الموتَ لأنَّ الموتَ في سبيل من نحبّ هو بطولةٌ نابعةٌ من فعلِ حبٍّ نبيلٍ وأبديّ.

وهنا أريد ان أحيّي الإعلامَ اللبنانيَّ الجريء والحرّ الذي كشف ملابساتِ هذه الجرائمِ النكراء، وسلّط الأضواء على التعدي الفاضح على أمنِ الناس وحياتِهم وبيوتِهم. وكلُّنا أمل بأن تستعيد القوى الامنية عافيتها وتتمكن من وضع حدّ لهذه التعديات كي لا تتكرر مثل هذه المأساة. واغتنم هذه المناسبة لاتوجه بالتعزية القلبية الى قيادة الجيش  اللباني لوفاة الطيارين ، النقيب جوزف حنا والملازم ريشارد صعب نتيجة حادث تحطم المروحيّة منذ اسبوعين. كما اتوجه بالتعزية القلبية الى عائلتيهما طالبا من الله الرحمة للشهدين وللعائلة التعزية والصبر  والسلوان.

أيها الاحباء،

ما يحصل في لبنان هو أبعدُ من جرائمِ قتلٍ وتعدٍّ، إنها  مأساةٌ وطنية ، يجب أن يجتمعَ اللبنانيون، مقيمونَ ومنتشرون، على وضع حدٍّ لها، وعدمِ تكرارِها.  ألم يحن الوقتُ ليعيَ اللبنانيون أن الأحقادَ  والانقسامات والأنانياتِ البغيضة هي وراءَ ما وصل إليه لبنانُ اليوم؟ ألم يحن الوقتُ لأخذ الإجراءاتِ الوقائية التي تمنعُ اللجوءَ إلى السلاح والاقتتال بين أبناء الشعبِ الواحد والبلدِ الواحد والعائلة الواحدة؟

إننا ندعو الجميع الى التنبّهِ والحكمةِ لمنعِ الفتنةِ بين اللبنانيين، ونصلّي لكل الذين يعملون جاهدين لإحلالِ الصلحِ والسلام، لأن المطلوبَ اليوم هو صبُّ كافةِ الجهود للوقوفِ الى جانبِ شعبِ لبنانَ المتعب والمنهك من تراكمِ الأزمات خصوصاً الأزمة الاقتصادية –الاجتماعيّة الخانقة التي تهدد مستقبلَ الانسانِ في لبنان.

قال البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني بأنَّ لبنانَ هو أكثرُ من وطن إنّه رسالة. هذه الرسالة ليست فقط مبدأً روحيًّا أو إيمانياً بل هي خريطة طريق. الرسالة لا تعني السكوتَ عن الحقِّ خوفًا من الباطل ولا تعني المساومة على الثوابت التي تجعلُ من الجميع سواسيةً في أرضٍ اتَّفق أهلُها على العيش معًا تحت مِظلَّةِ دولةِ القانون والمؤسّسات والعدالة. تقتضي هذه الرسالة – الهويَّة أن نقولَ كلمتَنا في وجهِ الظلمِ والشرِّ والاستبداد، ليس فقط خدمةً لأبنائِنا المسيحيين بل لكلِّ لبنانيٍّ أيًّا كان دينُهُ أو طائفتُهُ. فالمسيح لم يكن يومًا لفئةٍ دون الأخرى ولم يحرِّرْ إنسانًا دون آخر ولم يخلَّصْ شعبًا وينسى آخر.

فلنصلِّ معًا ونشهدْ معًا ونتضامنْ معًا في وجهِ كلِّ عواصفِ العنفِ والقتلِ والإجرام، ولنقفْ أيضًا معًا متحدين في وجهِ كلِّ المحاولات لزرع الانقسمات في ما بينننا او لتغييرِ وجهِ لبنان والعبثِ بهويَّتِهِ وتشويهِ كرامةِ إنسانِهِ. ارحمْ يا ربّ أنفسَ شهدائِنا الأبطال ، وعزِّ قلوبَ عائلاتِهم ورفاقِهم، واسكبْ عليهم بلسمَ حنانِك وعطفِك ورحمتِك وسلامِك.

آمين”.