مجلس تلاقي الأديان يؤكد على الوحدة والمصالحة في احتفال عيد البشارة

مجلس تلاقي الأديان يؤكد على الوحدة والمصالحة في احتفال عيد البشارة  تزامناً  مع الذكرى الخمسين للحرب الأهليّة اللبنانية

 المطران طربيه: آن الأوان ليس فقط لنزع السلاح غير الشرعيّ بل أيضاً لنزع سلاح الأحقاد والانقسام من القلوب للنهوض بالوطن تعزيزاً للمصالحة وتكريماً للشهداء

الشيخ الرفاعي: آن لنا أن نستخلص الدروس وندرك أن لا سبيل إلى العيش الكريم إلا عبر جهاد بناء الوطن

المطران رباط: فلنتحوّل إلى الشهادة التي نتخلّى فيها عن كل شيء من أجل حياة قائمة على الدعم المتبادل والانسجام

في أجواء من الوحدة والتآخي، أقام مجلس تلاقي الأديان احتفاله السنويّ لعيد البشارة، الذي استضافه راعي الأبرشية المارونية في أستراليا ونيوزيلندا وأوقيانيا، صاحب السيادة المطران أنطوان-شربل طربيه، في بيت الأبرشية المارونية في ستراثفيلد، سيدني، يوم الخميس في 3 نيسان/أبريل 2025 بحضور قادة روحيين من المسيحيين والمسلمين والدروز والعلويين.

وحمل هذا اللقاء أهمية خاصة حيث يصادف والذكرى الخمسين لبداية الحرب الأهلية اللبنانية، حيث تخلل اللقاء كلمات وتأملات أكدّت على الالتزام الجماعي بالسلام والقيم المُشتركة للإنسانية.

شارك في اللقاء راعي  أبرشية الروم الملكيين الكاثوليك في أستراليا ونيوزيلندا وكل أوقيانيا، سيادة المطران روبرت رباط؛ راعي أبرشية الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية في أستراليا ونيوزيلندا والفلبين، صاحب السيادة الميتروبوليت باسيليوس قدسية؛  مفتي أستراليا، الشيخ رياض الرفاعي؛ ممثل مفتي لبنان في أستراليا ،الشيخ مالك زيدان؛ ممثل مشيخة العقل الموحدين الدروز في لبنان، الشيخ منير الحكيم؛ الشيخ أحمد جندي، من الطائفة العلوية الإسلامية؛  وزير الظل للتعددية الثقافية، النائب مارك كوري، ممثلاً السيد مارك سبيكمان، زعيم المعارضة في نيو ساوث ويلز؛ النائب جيسون يات سين لي؛ الرئيس التنفيذي لهيئة التعددية الثقافية في نيو ساوث ويلز، السيد جوزيف لا بوستا، ممثلاً الوزير ستيفن كامبر، وزير التعددية الثقافية؛ سعادة قنصل لبنان في سيدني، السيدة سارة الديراني والسيد جعفر محيي الدين. كما حضر الاحتفال أيضاً رؤساء وأعضاء المجالس البلدية وممثلون عن الأحزاب السياسية اللبنانية ووسائل الإعلام وممثلون عن المؤسسات اللبنانية في أستراليا والجمعيات.

في كلمته الترحيبية، شدّد سيادة المطران أنطوان-شربل طربيه على رسالة اللقاء الموحِّدة قائلاً، “عيدُ البِشارةِ مُناسبة سَنويّة في جالِيَتِنا الأُسترالِيّةِ اللُّبنانيّةِ لِنَلتقيَ  ونكّرم امنا العذراء مريم والدة الاله ونُصلِّيَ مِن أَجلِ السَّلامِ . وما يُميِّزُ الاحتِفالَ هٰذِهِ السَّنةَ أَنَّنا نَعودُ بالذّاكرةِ إِلى سَنةِ 1975، إِلى مَحطّةٍ سوداءَ في تاريخِ لُبنان، الى أحداث أَلِيمةٍ مطبوعة في الذّاكرةِ الجَماعيّةِ  والفردية عِندَ اللُّبنانيّين مُقيمينَ ومُنتشِرين، أَلَا وهيَ بِدايةُ الحَربِ اللُّبنانيّةِ أَو بِدايةُ حُروبِ الآخَرينَ على أَرضِ لُبنان.”

وأضاف المطران طربيه أن مقولة “تِنذَكَر وما تِنعاد” التي غالباً ما تتردّد في هذه السنوية لا تكفي لِلنُّهوض وبِناء أُسس الوَطَن والوَطنيّة في قلوب اللبنانيّين، مشدّداً على أنه ” آنَ الأَوانُ ليسَ فقط لِنَزعِ السِّلاحِ غَيرِ الشَّرعيّ وحصره بيد الدولة، وإنّما أَلمطلوب ايضاً نزعِ السِّلاحِ مِن العُقولِ والنُّفوسِ، سِلاحِ الأَحقادِ والانقِسامِ، سلاح الأنانيات والفساد،  وسِلاحِ المَشاريعِ الإقليميّةِ الَّتي لا تُخدِمُ مَصلحةَ لُبنانَ واللُّبنانيّين.

لَقَد آنَ الأَوانُ، في هٰذِهِ الذِّكرى الأَليمةِ، والّتي عاشَها الكَثيرونَ مِنّا، أَن نَضَعَ مَشروعًا مشتركا  لِتَنقِيَةِ الذّاكرةِ الوَطنيّةِ، يَكونُ مَدخَلًا لِمُصالَحَةٍ حَقيقيّةٍ بَينَ اللُّبنانيّين.”

ورأى المطران طربيه أن “هٰذِهِ المُصالَحَةُ لَن تَتَحَقَّقَ إِلّا مِن خِلالِ رُؤيةٍ جَديدةٍ ، قائِمَةٍ على أَولويّةِ الانتماءِ لِلُبنانَ وَطنًا نِهائيًّا لِجَميعِ أَبنائِهِ وبناته، وَقَبولِ الآخَرِ المُختَلِفِ واحترامِهِ في مُعتَقَداتِهِ وحَياتِهِ، وليسَ مِن مُنطَلَقِ الهَيمنَةِ أَو العِداء، بَل مِن خِلالِ بِناءِ مُجتَمَعٍ متوازن،  تَلتَقي فيه الأَديانُ وتتاعيش  لِخَيرِ الإِنسانِ ورُقيّهِ. والمُصالَحَةُ تَعني أَيضًا أعتماد الحِيادِ الإيجابيّ الفاعِل، كَما طَرَحَهُ غِبطَةُ أَبينا البَطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، كطريق لانقاذ وحدة لبنان ورسالته ، وكمشروع يحمي التعددية،  وكضامنة لكي يبقى لبنان واحة سلام وكيان لقاء  لجميع ابنائه مقيمين ومغتربين. ”

وختم قائلاً إن ” المُصالَحَةُ مَحطّةً لِتَكريمِ الشُّهَداءِ الَّذينَ قَدَّموا حَياتَهم لِيَبقى الوَطَن، كَما تَقتَضي القِيامَ بِمَسحٍ شامِلٍ لِضَحايا الحَربِ اللُّبنانيّةِ.”

من جهته ألقى سماحة الشيخ رياض الرفاعي كلمة دعا فيها الحضور ليكونوا  دعاة سلام “كما كان الأنبياء من قبل فقد قالها عيسى عليه الصلاة والسلام وقالها الأنبياء من قبله وقالها النبي محمد عليه الصلاة والسلام من بعده. ”

وأضاف الشيخ رفاعي “في الذكرى الخمسين للحرب اللبنانية الأليمة، التي مرت على هذا الوطن الجريح، نقول: لقد دفعنا جميعًا ثمنًا باهظًا، وتحملنا من الآلام ما تنوء به الجبال، وخرج الجميع منها خاسرًا، بلا غالب ولا مغلوب. آن لنا أن نستخلص الدروس، وأن ندرك أن لا سبيل إلى العيش الكريم إلا عبر الجهاد الأكبر: جهاد بناء الوطن، ورأب الصدع، ولمّ الشمل، والتكاتف والتآلف، ونبذ الماضي بكل جراحاته، والانطلاق نحو مستقبل مشرق يجمع اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، يجمع اللبنانيين بكل توجهاتهم ، واتجاهاتهم،على قلبٍ واحد، من أجل وطنٍ يحيا بالعدل، ويزدهر بالمحبة.”

أما صاحب السيادة المطران روبير رباط، فألقى كلمة دعا فيها أبناء المجتمع اللبناني—بمناسبة الاحتفال السنوي بعيد البشارة للعذراء مريم (25 آذار/مارس)، وبالتزامن مع الذكرى الخمسين لبداية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975—إلى تجاوز الماضي والمسامحة، وبدء مسيرة جديدة نحو المصالحة.

واستخدم المطران رباط ألوان العلم اللبناني—الأحمر والأبيض والأخضر—كرمز لأنواع الشهادة الثلاثة؛ فالأحمر يرمز إلى المفهوم التقليدي للتضحية بالدم، والأبيض يعبّر عن الشهادة من خلال النضال السلمي واللاعنف، أما الأخضر فيجسّد الشهادة من خلال التخلي عن كل شيء من أجل حياة جماعية قائمة على الدعم المتبادل والانسجام الأخوي.

كما كانت كلمة لعضو البرلمان ووزير الظل لشؤون التعددية الثقافية، السيد مارك كوري، الذي أكدّ فيها على أهمية الوحدة بين الأديان قائلاً” في وقت يواجه فيه العالم انقسامات عميقة وحالة من عدم اليقين، لم يكن لقوة الوحدة بين الأديان والاحترام المتبادل أهمية أكبر مما هي عليه الآن. إن التقاء الديانتين، المسيحية والإسلام، حول قيم السلام والإحسان والتواضع والعدالة، أمر يُحتذى به—وهي مبادئ يمكن أن توجهنا في بناء مجتمعات أقوى وأكثر تعاطفًا. من خلال الحوار والتفاهم، نؤكد أن ما يوحدنا هو أعظم بكثير مما يفرقنا.”

وأضاف كوري،”لقد قدمت الجاليات اللبنانية والشرق أوسطية مساهمات استثنائية في النسيج الثقافي والاجتماعي والمدني لنيو ساوث ويلز. ومن خلال تقاليدهم الغنية وروحهم الريادية والتزامهم الراسخ بالأسرة والإيمان، عززوا الأسس ذاتها لمجتمعنا متعدد الثقافات. توفر لقاءات الأديان فرصة للاحتفاء بهذا التنوع، وتعميق الروابط وتعزيز الالتزام المشترك بالسلام والمصالحة والوحدة.”

كما أشار الرئيس التنفيذي لوزارة التعددية الثقافية في نيو ساوث ويلز، السيد جوزيف لا بوستا، إلى أهمية الحوار بين الأديان قائلاً:”كأستراليين من ثقافات وتقاليد متنوعة – نتحمّل مسؤولية متساوية في بناء مستقبلنا المشترك. بغض النظر عن خلفياتنا الثقافية والإثنية، فنحن جميعًا مرتبطون – أولًا وقبل كل شيء – بالتزامنا المشترك تجاه أستراليا. لهذا السبب، يجب أن نواصل العمل معًا، لبناء جسور تلاقي عبر الاختلافات السياسية والدينية والثقافية، وفهم وجهات نظر بعضنا البعض. إن هذا الحوار أصبح الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى.”

اختُتمت الأمسية بصلاة جماعية من أعضاء المجلس شارك فيها الحاضرون والقادة الروحيون، مؤكدين على عيد البشارة  كمحطة فريدة في حياة الجالية اللبنانية الأسترالية  تشجع على المصالحة واللقاء مع الاخر المختلف.